حضرت حنة صديق ،و كان الطبل البلدي هو من يحيي الحفل و تعمدت ان اذهب متاخرا حتي لا ابقي طويلا هناك حيث لا تعجبني الاجواء الاحتفاليه الصاخبه .و انتظرت حتي ياتي جامع النقطه حتي اعطيه و يذكر اسمي و عائلتي في مكبر الصوت كالعاده .و كانت العاده في الافراح السابقه التي حضرتها ان يعطي المهنيء النقطه و كانت رمزيه جدا فقد كانت تبدا لدي بعض الناس بربع جنيه و كان جامعها يذكر الجميع كمهنئين بلا فارق ،لكن هذه المره الامر اختلفكان جامع النقطه يحتفي بالمبالغ الكبيره و يظل يلوح بها امام الحضور معلنا بصوره فاضحه عن عائلة صاحبها و مقامه بكلام لم يكن يذكر في افراح قريتي من قبل،، و كانت الارقام كلما كبرت كان الكلام و الاعلان من جامع النقطه اكبر مما احرجني بشده لاني لم اتهياء لهذا الوضع ،كما لاحظت في عيون من يدفعون لمعه غريبه ربما دلت علي حزنهم علي المبلغ المدفوع و الذي لم يعد يقل عن خمس جنيهات و يصل الي العشرين
كان جامع النقطه فيما مضي ياخذ ما يدفعه المهنيء و يضعه في يده بلا تلويح او اعلان و لا يفرق بين المبلغ الكبير و القليل و كان العرف السائد ان ينادي باسم فرد واحد لكل ربع جنيه مدفوع و طبعا كانت الناس كلها تشعر بفرح في حنة اي شخص لان الجميع كان يعلن عن نفسه في هذا اليوم بلا فارق بين اغنياء و فقراء،لكن اليوم الامر صار مختلفا،فحينما دفع شخص عشرين جنيه طلب جامع النقطه من الفرقه ان يدق له بنغمه عسكريه
شعرت ان الموضوع انقلب نفاق في نفاق مثل كل شيء في بلادي ، مرض النفاق اصاب حتي افراحنا و نزع منها النكهه الطبيعيه التي كانت تجلب الفرح لكل من يحضر لا قلب عائلة صاحب الفرح فقط ،و الادهي ان هذا النفاق قد نزع الفرحة و معناها من قلب اصحاب الفرح انفسهم،!!!الا لعنة الله علي النفاق و المنافقين و من اشاعوا النفاق في بلاديدخل رجل عجوز اسمه عبد ربه و معه زوجته و كانا يتساندان و يتماسكان و هما يمران بين صفين طويلين من كراسي الزفه و كانا في حاله كانها خجل او حزن ،،لم اتبين بدقه حقيقة مشاعرهما حينما مرا بسرعه بين الحضور ،و مد الرجل العجوز يده الي جامع النقطه بجنيه واحد و انصرف بسرعه في نفس الاتجاه الذي كان سائرا فيه و كان جامع النقطه يستمع الي واحد من اصحاب المبالغ المعتبره فلم يلتفت الي شيخوخة الرجل و لا سن المراه العجوز و قال و ظهره لهما "الحاج عبد ربه غالي علينا كلنا"و فقط و مر الرجل كانه اتي عارا بمبلغه القليل
حينما رايت هذا المشهد انزعجت بشده و حزنت حزنا شديدا و انقلب صوت المزمار في اذني الي صوت نشاز فبدلا من ان يكون صوت فرح صار في اذني صوت جنازه!!جنازة الاخلاق و اعلان استيلاء النفاق علي جملة بلادي حتي علي مشاعراهلها الطيبه ،الا لعنة الله علي النفاق و المنافقين و من اشاع النفاق في بلادي
في فرح اخر في ارض النفاق و في ساعة الوليمه و الناس علي الكراسي صفوف كل واحد منهم ينتظر دوره لتناول غداءه مر رجل عجوز بين الصفوف متباطئا كانما ينتظر ان يدعوه احد الي الوليمه المجانيه التي ياكل فيها الجميع بلا حساب و طالما هو لن يكلفهم شيئا فقد توقع ان يدعوه احدهم او يجذبه الي الداخل كما يفعلون مع الجميع ، كان الرجل يجر دراجه يحمل عليها بضاعته البائره و التي لم يعد يشتريها احد!!كان يحمل حوالي عشرين منخل دقيق و ينادي عليها لكنه للاسف تقريبا لم يبع ايا منها لانها بضاعه قد مر عليها العصر و انتهي زمنها
شعرت و الرجل يمر بين الصفوف دون ان يعبا به احد ان الرجل نفسه قد مر زمنه كما مر زمن بضاعته و انه لم يعد من اهل هذا الزمان،،هذا الرجل هو اخو عبد ربه عجوز الفرح الاول كلاهما يمثل نفس القيم و نفس الاخلاق و نفس الزمن.مر الرجل و كان مصر علي التباطؤ في السير و التوقف من ان لاخر كان نفسه تحدثه بانه لازال هناك امل في ان يلحق به احد من اهل الفرح لانه راهم ينادون الناس من بيوتهم ايضا فلماذا لا يناديه احدهم و هو الجائع الفقير؟.توقف مره و اثنتان في طريقه مبتعدا و لما لم يلح في الافق بادرة امل تحرك و مشي تاركا الشارع الطويل كله،الا لعنة الله علي النفاق و المنافقين و من اشاع النفاق في بلادي
بعد ان مر الرجل رايته و راسه مغطاه بطاقيه فلاحي من النوع القديم وضعها علي مؤخرة راسه في شيء من الوجاهه علي الطريقه القديمه و كانما هو مصر علي ان ياخذ بعض حقوقه القليله جدا من الحياه و كان راسه من التعب مائل بصوره واضحه الي الخلف و يهتز يمينا و يسارا اهتزازا خفيفا و كانما يخاف الرجل من اعتدال راسه للامام لئلا يسقط و ينكفيء علي وجهه بفعل وزن الراس الثقيل علي جسده النحيل
مرت هذه الاحداث علي الناس و كانما لم يحدث شيء و قد ادركت مدي مصيبة اوضاع الاخلاق في بلادي و مدي استيلاء النفاق علي ارواح الناس فيها حتي استولي علي الافراح و قلبها الي مناسبات للنفاق الاجتماعي اكثر منها للافراح!!افراح زمان كان المال و النفاق بعيدا عنها لذلك كان الناس جميعهم يفرحون فرحا حقيقيا حتي لو لم يكن الامر يعنيهم، كان الفرح في اي شارع بهجه للشارع كله و ربما شوراع مجاوره ،اما الان فقد صار مغرما للجميع اصحابه و المهنئين و صار محزنه للفقير
الا لعنة الله علي النفاق و المنافقين و من اشاع النفاق في بلادي
متي يجد الفقير انسانا يحنو عليه و يسقيه ماء الحياة دون ان ينتظر من وراء فعله سمعه او جاه او ذكر حسن بين الناس؟هل ياتينا هذا اليوم؟ام ان النفاق قد حل و لا امل في زواله؟ هل ننتظر ؟هل علي كل فرد ان ينبو بنفسه عن مواطن النفاق، و لا يشارك فيها ، فيكون كمن فارق الجماعه ، و ربما نبذه فريق منهم لعدم مشاركته، ويكون كقوم لوط يطرد لانه يتطهر من النفاق؟ام علينا ان ننغمس في النفاق حتي لا نكون كالعاقل بين المجانين ، يبدو لهم وحده انه المجنون ،رغم انهم هم المجانين؟
......................................
كتبها/ذو النون المصري
اللوحه الاولي و الثانيه /لا اذكر مصادرها
اللوحه الثالثه و الرابعه /من ابداعات الفنان وليام بوجويريو